ابن قيم الجوزية

156

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أتته عجوز من الأنصار فقالت يا رسول اللّه أدع اللّه أن يدخلني الجنة ، فقال نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم إن الجنة لا يدخلها عجوز ، فذهب نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فصلى ثم رجع إلى عائشة فقالت عائشة لقد لقيت من كلمتك مشقة وشدة . فقال صلى اللّه عليه وسلم إن ذلك كذلك إن اللّه تعالى إذا أدخلهن الجنة حولهن أبكار ! » وذكر مقاتل قولا آخر وهو اختيار الزجاج أنهن الحور العين التي ذكرهن ، قيل أنشأهن اللّه عز وجل لأوليائه لم يقع عليهن ولادة » والظاهر أن المراد أنشأهن اللّه تعالى في الجنة إنشاء ويدل عليه وجوه ( أحدها ) أنه قد قال في حق السابقين يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ ( إلى قوله ) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ فذكر سررهم وانيتهم وشرابهم وفاكهتهم وطعامهم وأزواجهم من الحور العين ثم ذكر أصحاب الميمنة وطعامهم وشرابهم وفرشهم ونساءهم والظاهر أنهن مثل نساء من قبلهم خلقن في الجنة ( الثاني ) أنه سبحانه قال إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً وهذا ظاهر أنه إنشاء أول لا ثان لأنه سبحانه حيث يريد الإنشاء الثاني يقيده بذلك كقوله وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى وقوله وَلَقَدْ * علمتم النشأة الأولى ( الثالث ) أن الخطاب بقوله وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً إلى آخره للذكور والإناث والنشأة الثانية أيضا عامة للنوعين وقوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ظاهره اختصاصهن بهذا الإنشاء وتأمل تأكيده بالمصدر والحديث لا يدل على اختصاص العجائز المذكورات بهذا الوصف بل يدل على مشاركتهن للحور العين في هذه الصفات المذكورة فلا يتوهم انفراد الحور العين عنهن بما ذكر من الصفات بل هي أحق به منهن فالإنشاء واقع على الصنفين واللّه أعلم وقوله ( عربا ) جمع عروب وهن المتحببات إلى أزواجهن قال ابن الأعرابي العروب من النساء المطيعة لزوجها المتحببة إليه وقال أبو عبيدة العروب الحسنة التبعل « قلت » يريد حسن مواقعتها وملاطفتها لزوجها عند الجماع وقال المبرد هي العاشقة لزوجها وأنشد للبيد : وفي الحدوج « 1 » عروب غير فاحشة * ريا الروادف يعشى دونها البصر وذكر المفسرون في تفسير « العرب » أنهن العواشق المتحببات الغنجات الشكلات المتعشقات الغلمات المغنوجات كل ذلك من ألفاظهم وقال البخاري في

--> ( 1 ) الحدوج جمع حدج وهي مراكب النساء .